مجد الدين ابن الأثير

258

البديع في علم العربية

إلّا معرفة ؛ لأنّ السّؤال عن وقت معيّن ، ولا ينتظم أوّل الوقت وآخره ، وإنّما يعرف الآخر يقرينة ، تقول ما رأيت زيدا ، فيقال لك : ما أوّل ذلك ؟ فتقول : مذ يوم الجمعة ، أي : أوّل المدّة الّتي انقضت « 1 » فيها الرّؤية يوم الجمعة . ولا يجوز أن ترفع إلّا زمانا ، أو مقتضيا للزّمان ، قال ابن السّرّاج : " مذ " إنّما صيغت ؛ لتليها الأزمنة ، فإذا وليها فعل فإنّما هو لدلالة الفعل على الزّمان ، فإذا قلت : / ما رأيته مذ قدم فلان ، فالتأويل : مذ يوم قدم فلان « 2 » . فإن لم يظهر ل " مذ " عمل ، وعطفت على ما عملت فيه اسما ، حملته على النّصب ، دون حكم الإعراب المقدّر بعد " مذ " ، تقول : ما رأيته مذ قام ويوم الجمعة ، فإن ظهر العمل ، حملته على لفظه ، تقول : ما رأيته مذ يومان وليلتان ، ولك نصب الثّاني ، كأنّك قلت : ما رأيته ليلتين ، ولا تقول : ما رأيته مذ يوم يوم ، فتبنى ، ك " خمسة عشر " ، وقوم يجيزون : مذ يوم يوم ، بلا تنوين ، ولا يجيزون : مذ شهر شهر ، ولا : دهر دهر ، قال ابن السّرّاج : ولا أعرف الضّمّ بلا تنوين - في هذا - من كلام العرب « 2 » . وأمّا إذا كانت " مذ " ، و " منذ " حرفين فإنّهما يتنزّلان منزلة " في " « 3 » تقول : ما رأيته مذ اليوم ، وأنت عندنا منذ الّليلة ، أي : في اليوم وفي اللّيلة ، التقدير : أنت عندنا مستقرّ أو كائن في اليوم ، أو في الليلة . قال سيبويه : وتكون ابتداء غاية الأيّام والأحيان كما كانت " من " « 4 » وذلك قولك : ما رأيته مذ يوم الجمعة إلى اليوم ، ومذ غدوة إلى

--> ( 1 ) في الأصل : اتفقت . والصّواب ما أثبتّه . ( 2 ) لم أقف على هذا القول لابن السرّاج في كتاب الأصول المطبوع . ( 3 ) انظر : الجنى الداني 466 . ( 4 ) الكتاب 4 / 226 .